حيدر حب الله
128
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
أمر الناس بعدم الاستحياء من التصريح بعدم العلم إذا سألوا عن شيء لا يعلمونه ، وهذا المعنى محفوظ في الروايتين ، وإن اختلفت ألفاظهما ، ومثله رواية « البيِّعان بالخيار ما لم يفترقا » كما مرّ ، فإذا بدّل « ما لم يفترقا » بقوله : « ما داما في المجلس » ، فقد حفظ المعنى ، لكن يدلّ الافتراق على التباعد ولو خطوة ، ولا يدلّ عليه قوله : ما داما في المجلس ، إذ يمكن التباعد خطوة مع كونهما في المجلس ، وحينئذ فنقول : أمثال هذه ليست بحجّة ؛ إذ كما نعلم يقيناً أنّهم رووا الأحاديث بالمعنى ، نعلم أيضاً أنّ الناس لا يقدرون على حفظ هذه الدقائق ، بل لا يتفطّنون لها حتى يحفظوها ، فما هو شائع بين بعض فقهائنا المتأخّرين ، خصوصاً بين من تأخّر عن الشيخ المحقّق الأنصاري قدّس سره ، من استنباط الأحكام من هذه الدقائق المستنبطة من ألفاظ الروايات بتدقيقاتهم ، غير مبتنٍ على أساس متين ، خصوصاً ما يدّعونه من الظنّ الاطمئناني بصدور هذه الروايات ، وأنّها حجّة لا تعبّداً بآية النبأ وأمثالها ، بل لحصول الاطمئنان وأنّ الاطمئنان علم عرفاً . والحقّ أنّهم إن ادعوا حصول الاطمئنان بصدور هذه الألفاظ المرويّة بخصوصيّاتها ، كما يحتجّون بها في الفقه فنحن نعلم يقيناً عدم صدورها كذلك ، ولا حفظ خصوصيّاتها في إبدالها أيضاً ، وليس صدورها وهماً فضلًا عن الظنّ ، وفضلًا عن الاطمئنان ، وإن أرادوا الاطمئنان بصدور أصل المعنى ومفاده إجمالًا ، فيأتي كلامنا فيه » « 1 » . ويقول أيضاً : « . . وهذا يؤيّد ما ذكرناه مراراً ، أنّ دعوى الإطميناني بصدور جميع خصوصيّات ألفاظ الروايات من الإمام عليه السلام ، غير صحيحة ، وأنّ طريق المتأخّرين في استفادة الأحكام من الدقائق اللفظيّة يتوقّف على إثبات حجيّة الخبر تعبّداً ، بدليل خاصّ كآية النبأ ، وإنّما يتمسّك بحاصل المضمون وما يمكن عادة حفظه وضبطه في نقل المعنى » « 2 » .
--> ( 1 ) الشعراني ، التعليقة على شرح أصول الكافي للمازندراني 2 : 214 ، الهامش : 1 . ( 2 ) المصدر نفسه 5 : 46 ، الهامش : 1 .